عزيزتي مصر: الخطوط الحمراء ليست حديثاً فقط

عندما اندلعت الحرب بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه رياك مشار في الخامس عشر من ديسمبر 2013م لم أكن أعلم عنها شيئاً على الرغم من أنني كنت في يوغندا ملحقاً عسكرياً.. وجدت أكثر من محادثة بعيد فجر يوم السادس عشر من ديسمبر وكان معظمها من ملحقين عسكريين أوربيين وبعضهم أفارقة اتضح لي لاحقاً أنهم (يستنبئون) عن طبيعة الأوضاع بجنوب السودان ويستقرأون مآلات الحرب الضروس بين (الدينكا والنوير)..
لاحقاً جداً جعلت أمعن النظر والتفكير في الكيفية التي ستتعامل بها يوغندا مع اشتعال الأوضاع في جوبا وبور وزحف الجيش الأبيض الأكثر شراسة لابتلاع الجيش الشعبي في أكثر من موقع.. لم تتأخر يوغندا كثيراً في إبراز كيفية تعاطيها مع الحدث الأمني (الخطير) الذي يهدد حليفها سلفاكير كما يهدد مصالحها الاستراتيجية وقد يقود مشار (غريمها اللدود) لأن يسيطر على الأوضاع وتؤول له مقاليد الأمور كرئيس في حال هُزم جيش سلفاكير..
أصدرت القيادة اليوغندية أوامرها لقوة لا تقل عن لواء للتحرك براً وجواً لتأمين مدينة جوبا ومطارها أولاً ومن ثم الزحف شمالاً لمنع سقوط مدينة بور.. هكذا وبلا (مقدمات) ولا إعلان صحفي إعلامي نزل أكثر من ألف جندي في جوبا مدججين بالسلاح وتدعمهم طائرات مي-24 المقاتلة وطائرات السوخوي-30 التي قصفت الجيش الأبيض أكثر من مرة ولم يقل كل العالم كلمة واحدة تجاه ما قامت به كمبالا..
ولأن يوغندا دولة (ديمقراطية مسيطر عليها) كان لابد من أن يجيز البرلمان اشتراك قوات دفاع الشعب اليوغندي (UPDF) في معارك جنوب السودان حسب الدستور اليوغندي.. فقامت السلطات بكتابة اتفاقية موقعة بين وزيري الدفاع في البلدين تسمح لجنوب السودان الاستعانة بالقوات اليوغندية ولكنها (بأثر رجعي) وعرضت على البرلمان ليجيزها دونما (أسئلة كثيرة).. وهكذا (شرعنت) الحكومة اليوغندية تدخلها المباشر في الحرب إلى جانب سلفاكير وحدّت من طموحات مشار وحمت مصالحها الاستراتيجية التي لا تقبل المساومة ولا التفكير
ذكرت هذه الواقعة وقد استمع الجميع وقرأ وسمع البيان المصري الصادر بعد زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان (وليس السيسي) للقاهرة والذي أشار (لخطوط حمراء) في السياسة المصرية تجاه السودان كما أشار لاتفاقية دفاع مشترك تحتاج إلى (VAR سياسي) لندرك مدى صدقية وجودها قانونياً وسياسياً..
لا أحد يجرؤ على إنكار ما قامت به مصر الكنانة تجاه استقبال ملايين السودانيين اللاجئين (وغض الطرف) عن كثيرٍ من مخالفاتهم لقوانين الإقامة بسبب الحرب وهذا يحمد لها جداً.. ولكن ما يؤخذ على مصر التي ترغب على الدوام في وجود حكومة سودانية قوية قابضة على زمام الأمور السياسية والأمنية في البلاد (تقاعسها) عن لعب دور عسكري واضح بارز تماماً كالذي قامت به يوغندا لحماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية وبلا أدنى تردد..
الخرطوم لا تحتفي كثيراً بتصريحات بدر عبد العاطي صباح مساء عن (حماية مؤسسات الدولة السودانية وضرورة وضع حد للأزمة الإنسانية عبر هدنة) فهذا كله حديث السياسة الذي يحمله الهواء (وتسوّد) به الصحافة الورقية والالكترونية..
السودان بحاجة لتدخل عسكري قوي يرجّح كفة القوات المسلحة السودانية ضد المليشيا التي تستقوي بالدعم الإقليمي غير المحدود والمستمر حتى كتابة هذه السطور.. على القيادة المصرية التقاط قفاز التحدي الاستراتيجي الذي يهددها وبشكل مباشر وما وصول الجنجويد لتقاطع المثلث السوداني المصري الليبي إلا دليل على هذا التهديد من قبل هذه المليشيا المتمردة..
عزيزتي مصر يا أم جمال أم صابر ننتظر تحوّل الأقوال إلى أفعال في ما يلي خطوط الدولة المصرية الحمراء تجاه تعاطيها مع الشأن السياسي والعسكري السوداني.. خذي من موقف الرئيس اليوغندي (موزي) سابقة سياسية والذي رأه العالم ولكنه لم (ينبس ببنت شفة) فعندما يتعلق الأمر بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية ليس هناك من تعليق ولا (تقريع).
اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام











