الصوارمي يطرح مبادرة “العفو والتصالح” ويدعو لتوسيع مائدة المصالحة الوطنية
في تطور لافت على صعيد الدعوات السياسية والمجتمعية لاحتواء الأزمة السودانية، أعلن العميد المتقاعد الدكتور الصوارمي خالد سعد عبد الرحمن، الناطق الرسمي الأسبق باسم القوات المسلحة والخبير في مجال الحرب النفسية ورئيس تجمع كيان الوطن، إطلاق مبادرة جديدة تحت عنوان “العفو والتصالح”، موجّهة إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء، داعياً إلى توسيع نطاق المصالحة الوطنية والعفو العام ليشمل كل أبناء السودان بمختلف انتماءاتهم السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية.
دعوة لمائدة جامعة بلا إقصاء
وأوضح الصوارمي أن مبادرته تقوم على مبدأ “عدم الإقصاء” وفتح الباب أمام جميع الأطراف للعودة إلى حضن الوطن، مشدداً على ضرورة أن تمتد مائدة المصالحة لتشمل كل ألوان الطيف السوداني، دون استثناء، باعتبار أن الأزمة الراهنة لا يمكن تجاوزها إلا عبر مشروع وطني جامع يعيد ترتيب البيت الداخلي ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها التعايش والتسامح.
وأشار إلى أن طرح المبادرة جاء في ظل ما وصفه بـ“تكالب الأعداء على السودان”، موضحاً أن قضايا البلاد تُناقش في بعض المنابر والهيئات الأممية في غياب السودانيين أنفسهم، بينما تُتخذ قرارات مصيرية تمس حاضرهم ومستقبلهم دون مشاركة فعلية منهم. واعتبر أن هذا المشهد يعكس نظرة خارجية ترى السودان دولة عاجزة عن إدارة شؤونها، وهو ما يستدعي – بحسب قوله – موقفاً وطنياً موحداً يعيد زمام المبادرة إلى الداخل.
تجاوز روح الانتقام
وأكد الصوارمي أن الخروج من الوضع الراهن يتطلب قدراً عالياً من التنازل المتبادل، وغض الطرف عن أخطاء الماضي مهما بلغت، محذراً من أن استمرار النزعة الانتقامية سيحول دون بناء دولة متوازنة ومستقرة. وقال إن إبهار العالم وإقناعه بقدرة السودانيين على إدارة خلافاتهم بأنفسهم يستوجب استبعاد كل أفكار الثأر والتشفي، واعتماد نهج التسامح كخيار استراتيجي لا تكتيكي.
وأضاف أن ما يحققه السودان من مكاسب عبر العفو العام والتصالح يفوق بكثير ما قد يجنيه من مسارات التصعيد والمحاسبات المتبادلة، لافتاً إلى أن الحروب الأهلية عادة ما تخلّف رواسب نفسية واجتماعية عميقة، وإذا لم تُعالج بروح متسامحة فإنها تبقى كامنة وتهدد الاستقرار في أي لحظة.
دعوة لعودة منسوبي الدعم السريع والحركات المسلحة
وفي محور عملي من مبادرته، دعا الصوارمي إلى العودة الطوعية لكل منسوبي قوات الدعم السريع وكل من تعاون معهم، وكذلك كل من حمل السلاح ضمن الحركات المسلحة غير المنضمة لاتفاقات السلام، بما في ذلك بعض فصائل حركة تحرير السودان والحركة الشعبية، فضلاً عن كل من عمل سياسياً أو دبلوماسياً ضد ما وصفه بـ“إخوته داخل الوطن”.
وطالب الحكومة بإعلان عفو عام عن كل من يعود ويتصالح قبل نهاية الحرب، مستشهداً بآيات قرآنية تحث على التوبة والعفو والإصلاح، مؤكداً أن التشجيع على العودة الطوعية لا يمثل ضعفاً أو تراجعاً، بل هو – في نظره – موقف وطني شجاع يسهم في تقليل كلفة الحرب البشرية والمادية.
ووجّه رسالة مباشرة إلى منسوبي الدعم السريع الموجودين في الميدان، داعياً إياهم إلى الرجوع إلى الوطن، كما خاطب القوات المسلحة والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية، موضحاً أن من أسس الحرب النفسية الترحيب بالعائدين، بما يسهم في إضعاف معنويات الطرف الآخر وتقليص حاضنته.
بين القوة والسلام
وشدد الصوارمي على أن مبادرته لا تعني الدعوة إلى التراخي أمام المتمردين أو التخلي عن واجب الدولة في بسط سيطرتها، بل أكد ضرورة أن تواصل القوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المشتركة جهودها في ملاحقة من يصرّون على التمرد، مشيراً إلى أن “سلاماً لا تحرسه القوة هو سلام هش” لا يحقق أمناً ولا استقراراً.
وفي الوقت ذاته، دعا الحكومة إلى مواصلة جهودها السياسية والدبلوماسية من أجل تحقيق وحدة البلاد وسلامها وازدهارها، موضحاً أن الحلول الجذرية يجب أن تُصنع داخلياً عبر توافق وطني حقيقي، أما المبادرات الخارجية فلا يمكن أن تنجح ما لم يسبقها اتفاق سوداني – سوداني صادق.
انتقاد للرهان على الخارج
وتحدث الصوارمي عن وجود منظمات وهيئات خارجية – على حد وصفه – تتبنى رؤى موحدة تسعى إلى إضعاف السودان ومنع قيامه على أسس مستقرة، مشيراً إلى أن قوة تلك الجهات تكمن في وحدتها وتنسيقها، بينما يعاني الداخل من انقسامات وصراعات عسكرية وسياسية. واعتبر أن استمرار الاحتراب الداخلي يمنح خصوم البلاد فرصة للتمدد والتأثير في قراراتها السيادية.
دور العلماء والإعلام
وطالب جميع العلماء وأجهزة الإعلام بتبني خطاب يدعو إلى التعاون والمحبة والصفح، والعمل على إشاعة ثقافة العفو والتسامح والتنازل، مؤكداً أن الأمم في سباق عالمي لا ترحم من يتعثر، وأن الانشغال بالصراعات الداخلية يضعف قدرة الدولة على اللحاق بركب التنمية.
وأشار إلى تجربة جمهورية رواندا في تجاوز آثار الحرب الأهلية عبر المصالحة الوطنية، معتبراً أن كظم الغيظ وغض الطرف عن الأخطاء – مهما عظمت – يمثلان، في هذه المرحلة، السبيل الوحيد للحفاظ على وحدة التراب السوداني وتماسك نسيجه الاجتماعي.
بين المبادرة والواقع
مبادرة “العفو والتصالح” التي طرحها الصوارمي تأتي في وقت تشهد فيه البلاد تحديات عسكرية وسياسية وإنسانية معقدة، ما يجعل أي طرح للمصالحة الوطنية محل نقاش واسع بين مؤيد يرى فيها فرصة لإغلاق صفحة الحرب، ومعارض يخشى من أن يؤدي العفو غير المشروط إلى إفلات من العقاب.
وبين هذين الرأيين، تظل المبادرة خطوة جديدة في مسار البحث عن مخرج وطني للأزمة، يوازن بين متطلبات العدالة وضرورات السلام، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول الكيفية التي يمكن بها للسودانيين أن يصوغوا مستقبلهم بأيديهم، بعيداً عن الإملاءات الخارجية والانقسامات الداخلية.











