أخبار السوداناخبارمقالات

مع هبوط طائرة «سودانير» بمطار الخرطوم.. ذاكرة الوطن تستحضر تضحيات الشهداء

كتب: عبد المحمود نور الدائم

لم يكن هبوط طائرة الخطوط الجوية السودانية «سودانير» بمطار الخرطوم مجرد حدثٍ فني أو عودة روتينية لحركة الطيران بعد انقطاعٍ طويل فرضته الحرب، بل كان لحظة محمّلة بالرمزية الوطنية والذاكرة الثقيلة. ففي ذات المدرج الذي لامست عجلات الطائرة أرضه، استعاد السودانيون صورًا لا تغيب عن الوجدان، صور رجالٍ قدّموا أرواحهم فداءً للوطن، وفي مقدمتهم شهداء الحرس الرئاسي واللواء عرديب، قائد استطلاع هيئة الاستخبارات العسكرية، الذي استشهد بالقرب من موقع هبوط الطائرة.

تزامن الحدثين، رغم اختلاف الزمن والسياق، أعاد إلى الأذهان حقيقة أن هذه الأرض لم تُستعد بلا ثمن، وأن كل خطوة نحو استعادة مؤسسات الدولة وحياتها الطبيعية تمر فوق تضحيات جسيمة. فاللواء عرديب لم يكن مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان رمزًا لمرحلة صعبة اختلط فيها الواجب العسكري بحماية ما تبقى من الدولة في وجه الفوضى والانهيار. استشهاده قرب المطار جعل من هذا الموقع شاهدًا صامتًا على الدم الذي سال ليظل هذا المرفق الاستراتيجي جزءًا من سيادة البلاد.

أما شهداء الحرس الرئاسي، فقد كتبوا أسماءهم في سجل الشرف الوطني حين وقفوا في خطوط النار الأولى، دفاعًا عن مؤسسات الدولة وشرعيتها، في لحظات كانت فيها البلاد مهددة بالانزلاق الكامل نحو المجهول. هؤلاء لم يغيبوا عن المشهد، بل ظلوا حاضرين في كل حدث وطني، وفي كل محاولة للنهوض من تحت ركام الحرب.

عودة «سودانير» إلى مطار الخرطوم، بعد توقفٍ دام قرابة ثلاثة أعوام، تحمل في طياتها رسالة مزدوجة: رسالة أمل في استعادة الحياة، ورسالة وفاء لمن مهّدوا هذا الطريق بدمائهم. فالمطار الذي يعود للعمل اليوم، لم يكن ليبقى صامدًا لولا رجالٍ رابطوا حوله، وحموا محيطه، ودفعوا حياتهم ثمنًا لعدم سقوطه في أيدي الفوضى.

في مثل هذه اللحظات، يصبح واجب الذاكرة الوطنية حاضرًا بقوة. فالتقدم لا يكتمل دون الاعتراف بالتضحيات، ولا معنى لعودة الطائرات إن لم تصاحبها عودة القيم التي استشهد من أجلها أولئك الرجال: الانضباط، والولاء، والإيمان بأن السودان يستحق الحياة.

وهكذا، بينما تحلّق الطائرات مجددًا في سماء الخرطوم، تظل أرواح الشهداء تحلّق أعلى، تراقب، وتذكّر، وتطالب بأن يكون القادم أوفى لتضحياتهم، وأكثر صدقًا مع دمائهم التي روت أرض هذا المطار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى