التقرير اليومي لمجريات الحرب في السودان.. حقيقة ما جرى في بابنوسة وسقوط مقر الفرقة 22 مشاة

شهدت مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان خلال الأيام الماضية واحدة من أكثر المعارك تعقيدًا منذ بداية الحرب في السودان، بعدما تمكنت مليشيا الدعم السريع من دخول مقر الفرقة 22 مشاة وانسحاب القوات المسلحة من مواقعها رغم عدم الإعلان الرسمي عن ذلك. ورغم أن الجيش لم يصدر بيانًا يكشف حقيقة ما جرى، إلا أن الوقائع الميدانية والشهادات المتقاطعة، إضافة إلى طبيعة التسلسل العملياتي للهجوم، تُظهر بوضوح أن المليشيا كانت تخوض معركة محسوبة، وأن الفرقة تعرضت لضغط عسكري كثيف تجاوز قدرتها على الصمود الطويل، رغم بسالة الجنود وثباتهم في مواقع القتال.
كان سقوط مقر الفرقة هدفًا استراتيجيًا للمليشيا، إذ أن بابنوسة تمثل نقطة محورية في محور غرب كردفان، والسيطرة عليها تفتح الطريق نحو المجلد وأبيي، وتقطع أي خطوط إمداد محتملة بين وحدات الجيش المنتشرة شمالًا وغربًا. وتشير تقارير سابقة إلى أن قيادة المليشيا كانت قد أصدرت توجيهات واضحة بأن “السيطرة على الفرقة 22 يجب أن تتم مهما كلف الأمر”، ما جعل القوات المهاجمة تُلقي بثقل كبير في العملية، مستخدمة المسيرات والمدفعية الموجّهة وعناصر مدربة من عدة محاور.
داخل مقر الفرقة، كان وضع الجنود يزداد صعوبة قبل بدء الهجوم. فالأسابيع التي سبقت المعركة شهدت تراجعًا في الإمدادات ونقصًا في الذخائر داخل بعض القطاعات، إلى جانب الضغط المستمر من المسيرات التي كانت تطوف فوق المقر وتعيق أي إمكانية لإعادة التموضع أو تحريك الأسلحة الثقيلة. اضطر الجنود إلى حفر خنادق ضيقة حول الأبنية الرئيسية في محاولة لتقليل تأثير الضربات الجوية، لكن السيطرة الجوية شبه الكاملة للمليشيا جعلت أي تحرك مكشوفًا وقابلًا للاستهداف.
بدأ الهجوم الرئيسي من الجهة الشرقية للمدينة، وهي منطقة مكتظة بالمباني والشوارع الضيقة، ما جعل القتال يتحول إلى حرب شوارع شرسة. قاومت قوات الجيش بضراوة وتمكنت في الساعات الأولى من صد موجات الهجوم الأولى وتكبيد المهاجمين خسائر معتبرة، مواصلة استخدام معرفتها بجغرافيا المدينة لصالحها. إلا أن استمرار ضربات المسيرات وقصف المدفعية الموجهة كان يعيد ترجيح كفة المليشيا تدريجيًا، إذ كانت هذه الأسلحة تُستهدف بها التحصينات والدشم والمخازن ومراكز الاتصال داخل مقر الفرقة بشكل مباشر.
وفي الوقت نفسه، كانت المليشيا تفتح محورًا آخر من الجهة الشمالية باتجاه اللواء 89 مشاة، حيث شنّت هجمات مكثفة باستخدام الأسلحة الثقيلة والمدفعية المحمولة والمسيرات الهجومية. هذا الهجوم لم يكن تكميليًا، بل كان مصممًا لإحداث فجوة في دفاعات الجيش تسمح للقوات المهاجمة بالتقدم نحو قلب المقر. ومع تعدد المحاور وتزايد الضغط، بدأت خطوط الدفاع في التآكل، خصوصًا مع صعوبة إعادة التموضع داخل المقر المكشوف الذي أصبح تحت مراقبة جوية مستمرة.
مع تزايد التوغل من الجهتين الشرقية والشمالية، بدأت ملامح انهيار خطوط الدفاع تظهر تدريجيًا. فقد تعرضت معظم الأسلحة الثقيلة داخل المقر للتدمير عبر المسيرات، كما انقطع التواصل بين القطاعات بعد استهداف مراكز القيادة والسيطرة، وفقدت القوات قدرتها على المناورة تحت القصف المستمر. وعندما تمكنت قوات المليشيا من إحداث اختراق واضح في الشمال، أصبح وجود الجيش داخل المقر مهددًا من عدة جهات متزامنة، ما دفع القوات إلى الانسحاب عبر الجهة الجنوبية الغربية في انسحاب غير منظم نتيجة اشتداد الضغط وغياب القدرة على إعادة الترتيب.
ورغم الانسحاب، قاتلت مجموعات من الجيش داخل المدينة وفي أطرافها، إلا أن المقر نفسه كان قد سقط بالكامل في يد المليشيا. وتشير المصادر الميدانية إلى أن المليشيا تكبدت خسائر كبيرة خلال الهجمات الأمامية داخل الشوارع، لكن كثافة قواتها وتعدد موجاتها، إلى جانب الغطاء الجوي الفعلي الذي وفرته المسيرات، سمح لها بتعويض تلك الخسائر ومواصلة الهجوم حتى السيطرة التامة.
على الجانب الآخر، تكبدت قوات الجيش خسائر موجعة، إذ استشهد عدد من الجنود أثناء دفاعهم في مواقعهم الأمامية وحول الخنادق التي حفروها لحماية خطوطهم. كما فقدت الفرقة كميات من الأسلحة والآليات التي تعرض بعضها للتدمير فيما استولت المليشيا على البعض الآخر بعد دخول المقر. ويبدو أن الانسحاب غير المنظم زاد من عدد المفقودين الذين تقطعت بهم السبل وسط المعارك، حيث استمرت الاشتباكات داخل بعض أحياء المدينة حتى بعد سقوط المقر.
وأشار أ.علي ميرغني إلى أن غياب الدعم الجوي للفرقة كان من العوامل التي حسمت المعركة لصالح المليشيا. فالطيران الحربي والمسيرات التابعة للجيش كان بإمكانها إحداث فارق كبير في إبطاء الهجوم أو تدمير مسيرات الدعم السريع التي لعبت الدور الأكثر تحديدًا في المعركة.
تكشف معركة بابنوسة عن تحولات كبيرة في نمط العمليات العسكرية في السودان. فالمعركة لم تكن تعتمد فقط على عدد المقاتلين أو قوة النيران التقليدية، بل ظهر فيها بوضوح أن امتلاك السيطرة الجوية — ولو عبر مسيرات بدائية — أصبح العامل الحاسم في تحديد نتيجة أي معركة. كما أن القتال داخل المدن، خصوصًا حين يكون المهاجم مجهزًا بمسيرات هجومية ومدفعية موجهة، يجعل الدفاع داخل مقرات ثابتة أمرًا شديد الخطورة.
كما تكشف المعركة أن بسالة الجنود وثباتهم، رغم أهميتهما، لا يكفيان وحدهما أمام خصم يمتلك القدرة على الرصد المستمر والتحرك والتقدم تحت غطاء جوي يصعب اختراقه. لقد قاتل جنود الفرقة حتى اللحظة الأخيرة وبذلوا ما يستطيعون للمحافظة على مواقعهم، إلا أن معادلة القوة الجوية الحديثة لم تكن في صالحهم.
في المحصلة، فإن ما جرى في بابنوسة ليس مجرد سقوط مقر عسكري، بل هو تحول مهم في مسار السيطرة داخل غرب كردفان، ورسالة واضحة حول خطورة المتغيرات الميدانية الجديدة. ومع أن المعركة انتهت بسيطرة المليشيا على مقر الفرقة 22، إلا أن المنطقة لا تزال مرشحة لمزيد من المواجهات، خصوصًا في ظل التحركات العسكرية المستمرة والتوتر المتصاعد في محاور كردفان ودارفور. وفي ظل هذه الوقائع، يبدو أن الصراع يتجه نحو مرحلة تعتمد بشكل أكبر على المسيرات والتكنولوجيا العسكرية، ما يفرض على الأطراف الميدانية إعادة تقييم تكتيكاتها واستعداداتها للمعارك المقبلة.











